الانتخاب في الصومال.. بين آمال التحول الديمقراطي وتحديات الواقع الهش

الانتخاب في الصومال.. بين آمال التحول الديمقراطي وتحديات الواقع الهش
الانتخاب في الصومال

في شوارع مقديشو التي لم تلتئم جراحها بعد، لا يبدو الحديث عن الانتخاب المباشر مجرد استحقاق سياسي عابر، بل رهان ثقيل على دولة لم تستعد بعد قدرتها الكاملة على الوقوف، حيث تختلط ذاكرة الحرب بأحلام السلام، يُطرح سؤال الديمقراطية لا بوصفه حقاً مكتسباً، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر في بلد ما زال يبحث عن تعريف واضح لمعنى الدولة ذاتها.

ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، يعيش الصوماليون داخل دائرة مفرغة من الانتقالات السياسية غير المكتملة، بين حكومات مؤقتة، ونظم انتخابية غير مباشرة، وتحالفات عشائرية تُدار خلف الأبواب المغلقة، ومع حلول عام 2026، ترفع السلطة شعار "الانتخاب المباشر" باعتباره خطوة تاريخية نحو ترسيخ الشرعية الشعبية، غير أن هذا الشعار البراق يصطدم بواقع هش لا يمكن القفز فوقه بالخطب الحماسية المتفائلة.

ولا يمكن الحديث عن اقتراع حر في بلد لا تزال أجزاء واسعة منه خارج السيطرة الكاملة للدولة، فبينما تُعلن الحكومة المركزية التزامها بإجراء انتخابات مباشرة، تواصل حركة "الشباب" الإرهابية فرض حضورها العنيف في المشهد، مُحولة صناديق الاقتراع المحتملة إلى أهداف أمنية، والناخبين إلى رهائن محتملة.

وفي القرى النائية، حيث لا تصل مؤسسات الدولة إلا عبر البيانات الرسمية، يبدو حق التصويت فكرة تجريدية، منفصلة عن احتياجات الناس اليومية والتي تتمثل في الأمن والغذاء بالمقام الأول، حيث لا يُسأل المواطن عن برنامجه الانتخابي، بل عن قدرته على النجاة حتى صباح اليوم التالي.

توجيه المسار السياسي

رغم الإنكار الرسمي لا يزال النظام العشائري لاعباً رئيسياً، إن لم يكن اللاعب الأقوى، في توجيه المسار السياسي، فالعشائر التي ملأت فراغ الدولة لعقود، لم تتراجع أمام وعود الانتخاب المباشر، بل تستعد لإعادة إنتاج نفوذها بأدوات جديدة، قد تجعل من الديمقراطية واجهة حديثة لسلطة قديمة.

ويخشى مراقبون أن يتحول الانتخاب المباشر، في ظل غياب وعي سياسي شامل، إلى سباق تعبئة عشائرية، يُقصى فيه الأفراد المستقلون، وتُختزل فيه إرادة الشعب في توازنات ما قبل الدولة لا ما بعدها.

في بلد تشكل فئة الشباب أغلبيته السكانية، وتدفع النساء فيه ثمن النزاعات المتكررة، يبدو حضور هاتين الفئتين في النقاش الانتخابي محدوداً ومشروطاً، فالنساء الصوماليات اللواتي حملن عبء المجتمع خلال سنوات الانهيار، لا يزلن يواجهن معوقات اجتماعية وأمنية تحد من مشاركتهن السياسية، في حين يتحول الشباب إلى وقود للشعارات، لا شركاء حقيقيين في صنع القرار، وهكذا يطرح الانتخاب المباشر بوصفه انتصاراً ديمقراطياً، في حين تترك الفئات الأكثر تضرراً من الهشاشة خارج دوائر التأثير الفعلي.

وبحلول عام 2026 سيُختبر الصومال مجدداً بين خيارين إما تحويل الانتخاب المباشر إلى محطة تأسيس حقيقية لدولة المواطنة، عبر إصلاحات أمنية وقانونية عميقة، أو استخدامه واجهة سياسية تخفي استمرار الهشاشة، وتؤجل الانفجار بدل أن تمنعه.

موجة قلق عميقة

بدوره يرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية، السفير صلاح حليمة، أن الصومال يقف اليوم على حافة مرحلة شديدة الخطورة، مرحلة تتكاثف فيها الأزمات وتتداخل فيها السياسة بالسيادة، ولا سيما بعد الأنباء المتداولة حول اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي بوصفه دولة مستقلة، وهي خطوة وإن كانت بلا سند قانوني، فإنها أطلقت موجة قلق عميقة داخل الدولة الصومالية، وفتحت باباً جديداً للشكوك حول مستقبل وحدتها الهشة.

ويؤكد حليمة، وهو عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن هذا الاعتراف قوبل برفض واسع وإدانة شبه جماعية من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، غير أن الخطر لا يكمن في الاعتراف ذاته، بل في توقيته؛ إذ يتزامن مع استحقاق سياسي بالغ الحساسية يتمثل في الانتخابات البرلمانية والتشريعية والرئاسية المرتقبة خلال العام الجاري، والتي تترقبها مقديشو بقدر كبير من القلق والترقب.

وبحسب حليمة، فالأوضاع الداخلية لا تبعث على الاطمئنان، إذ تثير التساؤلات حول مدى واقعية إجراء هذه الانتخابات وفق الرؤية التي يطرحها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، خاصة في ظل التعديلات الدستورية الأخيرة التي رحبت بها بعض الولايات، في حين قوبلت برفض صريح من ولايات أخرى، وعلى رأسها جوبالاند وبونتلاند، ما يعكس عمق الانقسام داخل البنية الفيدرالية للدولة.

ويشير حليمة إلى أن جوهر الخلاف لا يقتصر على التعديلات الدستورية فحسب، بل يمتد إلى طبيعة النظام الانتخابي ذاته، حيث تسعى السلطة إلى الانتقال من نموذج الانتخاب غير المباشر القائم على اختيار البرلمان عبر المجموعات العشائرية ثم انتخاب الرئيس من داخله، إلى نظام الاقتراع المباشر، وهي خطوة تبدو في ظاهرها قفزة نحو الديمقراطية، لكنها تصطدم بواقع اجتماعي وسياسي لم يتهيأ بعد لهذا التحول الجذري.

ويستعيد السفير صلاح حليمة ملامح النظام السياسي التقليدي في الصومال الذي ظل لعقود محكوماً بالمنطق العشائري أكثر من كونه نظاماً حزبياً، حيث تقوم الانتخابات على قاعدة المحاصصة المعروفة بـ(4.5) التي توزع التمثيل البرلماني بين العشائر الأربع الكبرى، مع تخصيص النصف للأقليات، وهذا النظام، رغم ما يحمله من اختلالات، شكل إطاراً توافقياً هشاً حال دون الانزلاق الكامل إلى الفوضى.

معالم النظام الجديد

أما النظام الجديد المقترح فيفترض أن يفتح المجال أمام التصويت المباشر، غير أن هذا المسار، كما يوضح حليمة، يواجه معارضة حادة من بعض الولايات والقوى السياسية، ليس فقط رفضاً لفكرة الانتخاب المباشر، بل اعتراضاً على التعديلات الدستورية التي مددت فترة بقاء الرئيس في الحكم إلى خمس سنوات بدلاً من أربع، وهو ما اعتبرته أطراف عدة مساساً بمبدأ التوافق الوطني.

ويلفت حليمة إلى أن دائرة المعارضة لا تقتصر على ولايتي جوبالاند وبونتلاند، بل تشمل أيضاً أحزابا وقوى سياسية أخرى ترى أن قيام الرئيس الحالي بتأسيس حزب سياسي تحت مسمى "حزب التضامن" يفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق، ويطرح تساؤلات جدية حول حيادية السلطة في إدارة العملية الانتخابية، ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمكن إجراء انتخابات نزيهة وشفافة في ظل هذا الكم من الانقسامات الداخلية والتقاطعات الإقليمية والدولية؟

وعن التدخلات الخارجية يرى حليمة أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد، إذ يعمّق المخاوف المرتبطة بوحدة الدولة الصومالية، ويدفع الأطراف المختلفة إلى إعادة ترتيب أولوياتها حول مسألة الوجود والسيادة، قبل أي حديث عن صناديق اقتراع أو تنافس سياسي.

ويحذر من أن نجاح هذه الخطوة قد لا يقتصر أثره على الصومال وحده، بل قد يشكل سابقة خطيرة تهدد بتفكيك دول أخرى تعاني من نزعات انفصالية كامنة، خاصة إذا ما لحقت بعض دول الجوار بركب الاعتراف، في ظل أطماع إقليمية معلنة أو غير معلنة، سبق أن ظهرت ملامحها في مواقف دول مثل إثيوبيا.

ويخلص السفير صلاح حليمة إلى أن إجراء الانتخابات في هذا المناخ المضطرب، داخلياً وخارجياً، يبدو مهمة محفوفة بالمخاطر، وقد ينتهي الأمر إلى تأجيلها تحت وطأة هذه التحديات المتشابكة، غير أنه لا يغلق باب الأمل بالكامل، مشيرًا إلى أن نجاح جهود الوساطة، سواء عبر قوى داخلية أو أطراف إقليمية، وعلى رأسها الدور الذي تضطلع به جيبوتي، قد يفتح نافذة ضوء صغيرة تسمح للصومال بأن يخطو خطوة إلى الأمام، بدل أن يظل عالقًا في دائرة الانتظار والتجارب غير المكتملة.

قسوة الواقع الهش

يرى المحلل السياسي الصومالي حسن نور، في حديثه لـ"جسور بوست"، أن الانتخابات المرتقبة هذا العام تحمل في طياتها فرصة نادرة للصوماليين، ليس فقط بوصفها استحقاقاً سياسياً، بل بوصفها نافذة أمل لجيل طال انتظاره، معتبراً أن ما يلوح في الأفق اليوم كان لسنوات طويلة حلماً مؤجلاً حُرم منه جيل كامل، وأن المرحلة المقبلة قد تفتح طريقاً مختلفاً يكون للصوماليين فيه دور حقيقي في رسم مستقبلهم واختيار مصيرهم بأيديهم.

وحول الرهان القائم بين آمال التحول الديمقراطي وقسوة الواقع الهش، يلفت نور إلى طبيعة الشعب الصومالي الذي اعتاد مواجهة الصعاب، مؤكداً أن التحدي ليس جديداً عليه، فمنذ انهيار الدولة في مطلع التسعينيات وحتى أواخر العقد الأول من الألفية، مر الصومال بسنوات قاسية اختبر فيها المجتمع أقسى أشكال العنف والتفكك، ومع ذلك ظل قادراً على البقاء، ومن هذا الإرث الصعب يستمد نور قناعته بأن الرهان، وإن بدا شاقاً، ليس مستحيلاً.

ويضيف أن الشعب الصومالي يمتلك من الإرادة ما يؤهله لإثبات وجوده بوصفه دولة أمام العالم، وللوصول إلى لحظة يختار فيها رئيسه عبر صناديق الاقتراع، مؤكداً أن التحول الديمقراطي في جوهره، ليس أمراً معقداً بقدر ما يتطلب قدراً من تصفية النفوس، وتحييد الحسابات الخارجية، معتبرًا أن الواقع الهش قابل للتغيير إذا توفرت الإرادة السياسية والحد الأدنى من التوافق الوطني.

وفيما يتعلق بتداعيات إعلان الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي في 26 ديسمبر الماضي، فيقلل نور من تأثير هذه الخطوة في مسار الانتخابات، معتبراً أنها لن تشكل عامل ضغط خارجياً حاسماً يعطل الاستحقاق الانتخابي، مشيراً إلى أن هذا التوجه قوبل برفض واسع داخل الصومال، تجلى في مواقف متقاربة من مختلف الأطياف، من سياسيين ومثقفين ومعلمين وشيوخ قبائل، والذين أجمعوا على رفض فكرة الانقسام أو القبول بإقامة دولة منفصلة.

ويرى أن المواقف العربية والإسلامية الرافضة لهذا الاعتراف، وعلى رأسها مواقف مصر وتركيا والسعودية، تعزز من قناعته بأن قضية "أرض الصومال" لن تتحول إلى أزمة كبرى، وأنها قابلة للاحتواء والمعالجة ضمن الإطار السياسي والدبلوماسي.

ويخلص المحلل السياسي الصومالي حسن نور إلى أن الانتخابات المقبلة تمثل في جوهرها انتخابات شعب يشارك فيها الجميع، وقد تشكل لحظة فارقة في تاريخ البلاد، إذ يترقب الصوماليون انتخاب أول رئيس لهم عبر تصويت عام، في خطوة يأمل أن تكون بداية خروج حقيقي من سنوات الانتقال الطويلة نحو دولة أكثر استقراراً وتمثيلاً.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية